فخر الدين الرازي

140

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الطويلة ، فلا حر يعدل حرها ، قال ابن عباس : قد حميت فهي تتلظى على أعداء اللّه . وأما مشروبهم قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 5 ] تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ( 5 ) الآني الذي قد انتهى حره من الإيناء بمعنى التأخير . وفي الحديث : « أن رجلا آخر حضور الجمعة ثم تخطى رقاب الناس ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : آنيت وآذيت » ونظير هذه الآية قوله : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن : 44 ] قال المفسرون : إن حرها بلغ إلى حيث لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت . وأما مطعومهم فقوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 6 ] لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 ) واختلفوا في أن الضريع ما هو على وجوه أحدها : قال الحسن : لا أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا وثانيها : روى عن الحسن أيضا أنه قال : الضريع بمعنى المضرع كالأليم والسميع والبديع بمعنى المؤلم والمسمع والمبدع ، ومعناه إلا من طعام يحملهم على أن يضرعوا ويذلوا عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة والحرار وثالثها : أن الضريع ما يبس من الشبرق ، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ، فإذا يبس تحامته وهو سم قاتل ، قال أبو ذويب : رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى * وعاد ضريعا عاد عنه النحائص جمع نحوص وهي الحائل من الإبل ، وهذا قول أكثر المفسرين وأكثر أهل اللغة ورابعها : قال الخليل في كتابه : ويقال للجلدة التي على العظم تحت اللحم هي الضريع ، فكأنه تعالى وصفه بالقلة ، فلا جرم لا يسمن ولا يغني من جوع وخامسها : قال أبو الجوزاء : الضريع السلا ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك ، ثم قال أبو الجوزاء : وكيف يسمن من كان يأكل الشوك ! وفي الخبر الضريع شيء يكون في النار شبيه الشوك أمر من الصبر ، وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار ، قال القفال : والمقصد من ذكر هذا الشراب وهذا الطعام ، بيان نهاية ذلهم وذلك لأن القوم لما أقاموا في تلك السلاسل والأغلال تلك المدة الطويلة عطاشا جياعا ، ثم ألقوا في النار فرأوا فيها ماء وشيئا من النبات ، فأحب أولئك القوم تسكين ما بهم من العطش والجوع فوجدوا الماء حميما لا يروي بل يشوي ، ووجدوا النبات مما لا يشبع ولا يغني من جوع ، فأيسوا وانقطعت أطماعهم في إزالة ما بهم من الجوع والعطش ، كما قال : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ [ الكهف : 29 ] / وبين أن هذه الحالة لا تزول ولا تنقطع ، نعوذ باللّه منها وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : قال تعالى في سورة الحاقة : فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ * وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [ الحاقة : 35 ، 36 ] وقال هاهنا : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ والضريع غير الغسلين والجواب : من وجهين الأول : أن النار دركات فمن أهل النار من طعامه الزقوم ، ومنهم من طعامه الغسلين ، ومنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصديد ، لكل باب منهم جزء مقسوم الثاني : يحتمل أن يكون الغسلين من الضريع ويكون ذلك كقوله : ما لي طعام إلا من الشاه ، ثم يقول : ما لي طعام إلا من اللبن ، ولا تناقض لأن اللبن من الشاة .